في ليلة هادئة .. بينما كنت على شرفة المنزل المطلة على شارعا كئيب .. وخلف ذلك الشارع الكئيب تقع مزرعة نخيل .. مزرعة نخيل تساهم بنقل النسيم الينا حيث نحن .. ولكن لا يكون كذلك في اغسطس .. فالنسيم العليل الذي يأتينا من تلك المزرعة المطرزة بالنخيل .. ينقلب بقدرة قادر الى لهيب يشوي الوجوه في اغسطس .. وكأننا نطل على فوهة بركان "جبل فيجي " ...
كانت تلك الليل الهادئة في منتصف اكتوبر .. وانا تعودت ان اتأمل تلك المزرعة كل يوم .. ما لم يحبسني من ذلك حابس ...
اشعلت سيجارتي .. وتأملت تلك المزرعة .. وسرحت ..
واذا بضوء يشع من تلك المزرعة .. واتسعت دائرة الضوء .. واذا برجل كهل يتوسط ذلك الاشعاع ..
شخّص بصري .. واطفئت سجارتي على عجل .. وبدأت امعن النظر بذلك الاشعاع .. وكأني انظر لصورة فيتوغرافية صافية نقية .. وكأنها اُلتقطت بواسطة كاميرا ديجيتل ..
حتى الان لستُ مستوعب ما الذي يحدث ..
وفي معمعة استغرابي ودهشتي والخوف الذي تملكني .. نطق ذلك الكهل بكلمات لم استوعبها ..
وبصوت مسمع .. وكأن لا يراه ولا يسمعه احداً سواي ..
قال : انت ..
وانا انظر اليه بأنتظر ان يرد عليه احدا من المارة..
قال: الا تسمع ..
جاوبت بتردد وخوف شديدين : انا
قال : نعم انت ..
قلت : وماذا تريد مني .. هل تراني كما ارك؟ ..
قال : اراك واسمعك جيدا .
قلت : من انت .. ومن اين اتيت .. ( قلت ذلك وفرائصي ترتعد ) وبدأت اتمتم بأية الكرسي ..
الله لا اله الاهو الحي القيوم .....
قاطعني ذلك الكهل واكمل اية الكرسي بصوت أجش !!!!!!!!..
قلت : بحق الذي لا اله الاهو .. من انت .. هل انت من الجن المسلمين ..
قال : بل من الانس ..
قلت : و ما الذي تريده مني ..
قال : الا تعرفني
قلت : لا
قال : ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي
وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ
قلت: هي لا ابو الطيب
قال : أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي
وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ
اردف قائلا : وانا ابو الطيب المتنبي ..
قلت : معقولة !!!!!!!!!!!!!!!!!!
قال : نعم .. انا هو
قلت : ابو الطيب .. اين انت .. والله اننا بأمس الحاجة لك ..
قال مستغرباً : وما حاجتكم بي .. ؟
قلت : اتسأل الزرع لما يحتاج للماء .. حالنا الادبي يا ابو الطيب نكس .. كنكسة حزيران ..
قال : وما هي نكسة حزيران ..؟
قلت : هي حرب خضناها ضد اليهود .. و وهُزمنا شر هزيمة ... لكن دعك من هذا كله .. ما الذي اتى بك الى هنا يا ابو الطيب ؟
قال : اشتقت للشعر .. ولم اجد مكانا اخرج اليه افضل من جزيرة العرب ..
اضاف : اتحفظ شيء من شعر شعرائكم ..
قلت : احفظ لأحمد مطر .. و عمر ابو ريشة .. ولنزار قباني .. واحمد شوقي .. وحافظ ابراهيم
قاطعني قائلا : أهُم من شعراء جزيرة العرب ..
قلت : لا .. بل هم من شعراء بلاد الشام ومصر ..
قال : انا خرجت هنا لأسمع شعراء جزيرة العرب .. لا اريد ان اسمع لشعراء بلاد الشام ومصر .. لاني سأكون هناك في القادم من الليالي ..
قلت له وانا احك رأسي حيرةً : شعراء الان قد لا تفهم ما يقولوه .. وانا لا احفظ لهم بصراحة ..
قال : حاول ان تتذكر لي بيت شعر من شعرهم ..
قلت : امممممممم .. اسمع يا ابو الطيب هذا البيت :
الله يا زين اللي حضرت .. غطت على كل الحضور *** طلت علينا وانورت ما عقب هذا النور نور
قال وقد بدت عليه علامات الامتعاض : ماذا بعد ؟
قلت : اسمع ايضا :
قال لو حبيت غيرك وش تقول ..
قلت احاول قد ما اقدر امنعك
قال وان عيت تطاوعك الحلول
قلت احبه يا بعد عمري معك
قال : ويحك .. ما هذا السخف ...
قلت : والله يا بو الطيب هذا اللي عندنا ..
قال وهو مُمسك رأسه من شدة الامتعاض :
كم تَطْلِبُونَ لنا عَيْبَا فَيُــعْجِزكُم
ويكره الله ما تأتــون والـكَرَمُ
ما أبعدَ العَيبَ والنُقْصَانَ عن شَرَفِي
أنا الثريا وَذَانِ الشًــيْبُ والهَرَمُ
بدأ يخفت ذلك الاشعاع ..
وانا انادي : ابو الطيب لا تذهب .. ابو الطيب .. ابو الطيب ارجوووووووووك ..
قاطع ندائي صوت بوق مزعج لإحدى المركبات ... وغاب الاشعاع الذي اتى من مزرعة النخيل ..
حزنت حزناً شديداً .. لان ابو الطيب غادرني منزعجاً ..
كان سبب انزعاج المتنبي .. هو لما قلته من الشعر .. كنت اعرف ان الشعر الدارج هنا لا يرقى لذائقة هذا الطود الشامخ .. لكن هو المنتشر للأسف ..
اعرف ايضا ان شعر الفصحى اضمحل في بلدي العزيز ..
فـ خلف بن هذال معروف اكثر من الفرزدق ..
وابو نواس لا يذكر امام خالد المريخي ..
و نجاح المساعيد حلت محل الخنساء ..
اعرف ان الشعر العامية له اهمية .. لكن من غير المعقول ان يحل محل الشعر العربي الفصيح .. وانا للأسف كنت ممن يهتمون به .. الى ان من الله علي بالشفاء من هذا المرض العضال ...
فقصيدة المتنبي يفهمها من هم بالجزيرة العربية ومصر والمغرب العربي وبلاد الشام .. وكل مكان به لغة الضاد ..
اما النبطية فلن تتجاوز في احسن الاحوال بلد المنشئ ...
ولكم قياس الفرق والتأثير ..
الى اللقاء ابو الطيب ..
وانا على الموعد مع الفرزدق ..
تحيتي