الحلقة الثالثة الوطن" تنشر الفصل الذي حمل شهادات الأسر التي جرى إخراجها قسراً في "سفر برلك" (3-3) ثلاث سنوات من التهجير والتجويع والقتل العلني للرجال في الشوارع على أيدي الجنود العثمانيين المدينة المنورة: خالد الطويل نستكمل اليوم نشر هذا الملف التاريخي الذي كنا قد بدأنا طرحه أول من أمس، والذي يتحدث عن قصص تهجير أهل المدينة المنورة بالقوة على أيدي القوات العثمانية، والتي رصدها الباحث أحمد أمين مرشد، عقب سنوات من مراجعته لآلاف الوثائق التي تمكن من جمعها طوال نحو نصف قرن وتمثلت بمخطوطات وتسجيلات وصور، محولا ما في جعبته إلى شهادات تاريخية ترسم مشهدا مخيفا لنكبة "سفر برلك" التي لا يزال أبناء المدينة المنورة يتناقلون القصص المروعة عنها، تلك القصص التي تحكي محنة أسلافهم طوال ثلاث سنوات بدءا من عام 1334هـ. حصار ومجاعة ويقول الباحث المرشد في كتابه الذي سينشر قريبا "قبل أن نخوض في ما آلت إليه الأمور نذكر ما قام به القائد العسكري التركي فخري باشا الذي أمر بإلصاق نشرات إعلانية على جدران شوارع وبيوت المدينة جاء فيها: إن المدينة المنورة أصبحت خاضعة للإدارة العُرفية وإن كل من يتكلم عن الحركات العسكرية يُعرض نفسه للعقوبات الشديدة , وعين لذلك من قام بتخريب البيوت ونفي العائلات وصلب الرجال، ووضع تحت أيديهم جواسيس من أجناس مختلفة. وأول عمل صدر من الديوان العُرفي نفي ثلاثين من علماء المدينة إلى دمشق ثم أرسلوا إلى ولاية أضنه. بينما قام فخري بمحاصرة منطقة العوالي ودكها بالقنابل ولم يكتف بذلك بل قام جنوده بهمجية غريبة بذبح الرجال علناً. تحصن بعض أهل المدينة في بيوتهم ومنهم من رحل قبل التسفيرالإجباري إلى الحناكية وينبع والعلا وتبوك ومكة. ومنهم من بقي ورفض الخروج فكانت لهم معاناة البقاء داخل منازلهم بقليل من الزاد مع أطفالهم وزوجاتهم وآبائهم كبار السن ولكن بعد شعورهم بانتهاء الزاد بقليل بدأ البعض في الخروج للبحث عن لقمة عيش يسدون بها جوعهم، وهنا كانت المفاجأة التي أعدها فخري وجنوده . خلال الإعلان الأول من فخري لأهل المدينة كان له تفكير آخر وهو إيصال سكة الحديد من الإستصيون إلى باب السلام وكان الهدف الأول منها إخراج جميع موجودات الحجرة النبوية التي كانت مليئة بهدايا السلاطين والأمراء والملوك وترحيلها إلى العاصمة التركية وكان الهدف الآخر هو الترحيل الإجباري لمن رفض الخروج من أهل المدينة. وفعلا أوصل خط سكة الحديد مرورا بشارع العنبرية المناخة حتى أصبحت قريبة من باب السلام ( حيث ذكر من قابلتهم وسجلت لهم أنه أوصلها إلى طرف شارع العينية الشرقي) . وبعد أن اطمأن فخري على وصول موجودات الحجرة إلى إسطنبول أمر جنوده بالقبض على كل من يخرج من بيته وإركابه القطار بالقوة الجبرية وجهز فخري لهذه المهمة 2000 جندي وبدأ الترحيل فالمرأة التي تخرج للبحث عن ولدها أو زوجها تُرحل والطفل الذي خرج يبحث عن أمه أو أبيه يُرحل والرجل يُرحل والشيخ يُرحل، عدة قطارات تحركت من المدينة مرورا بتبوك والأردن ثم سوريا والمحطة الأخيرة هي إسطنبول ومات من مات خلال رحلة القطار ومنهم من قفز من القطار في تبوك والأردن. ومن بعض العوائل التي لم تُرحل خلال الترحيل الجماعي: مصطفى صيرفي، وعثمان حلمي، والشريف أفندي العيتاني ، وإبراهيم خياري، وألفا هاشم، وحسين بن يحيى عقبي، وجعفر فقيه، وبركات أنصاري، وإبراهيم جراح، وبيت الحلواني ، وبيت المدني، وبيت البرزنجي، وذياب ناصر، وبيت الخريجي، وبعض النساء من أهل المدينة. ومن بعض الأسر التي بقيت في المدينة السيد أمين مدني، وحسن سلكاوي، وإبراهيم كعكي ، كما بقي بالمدينة المنورة الشيخ ألفا هاشم وجماعته . وهذه لها قصة عندما تقدم الشيخ ألفا هاشم إلى فخري بطلب بقائه في المدينة هو وجماعته ( الأفارقة) ووافق فخري على أن يقوم جماعة الشيخ والقادر منهم بالدفاع عن المدينة . ومن العوائل التي تم ترحيلها إجباريا إلى الشام وتركيا والأردن ، أسرة الشيخ عبدالحميد عنبر، وأسرة علي بن حسين عزي, وعبدالحق نقشبندي، والسيد عمران وأخوه أسعد الحسيني، وأسرة السيد محمود أحمد، وعبدالحق رفاقة علي، وآل الطرابيشي، وبيت الإسكندراني، وبيت الحواله؛ وسليمان مراد، و جعفر الكتاني، وبيت جنيد ( جنيد بن فيض)، وعبدالله جمل الليل، وهاشم خليفة، وإسماعيل حفظي، والسيد إدريس هاشم، والشيخ محمد الحبيب الجداوي الوهيبي وهو أحد مدرسي المسجد النبوي في الفقه المالكي، درس على يديه العديد من علماء المدينة المنورة وشيوخها. ومن الأشخاص الذين هجروا إلى تركيا محمد سعيد مدرس، وأحمد عبدالله ثروت، وعائلة الطوله. وإلى الأردن يعقوب عفيفي، وبيت أبو عوف، وعبد الستار عاشور . وعدة أسر خرجت من المدينة اختياريا بعيداً عن قطار الموت حيث رحل عباس رضوان إلى مصر، وبيت أبو خضير إلى جدة، وعمر طه إلى جدة. وممن سافر إلى ينبع محمد حسين زيدان، وبيت أبو طربوش، وإبراهيم حسوبه، وعبدالغني مشرف، وإلى مكة رحل بيت الشربيني، وعبدالقدوس الأنصاري، وبيت آل طاهر، والسيد أحمد صقر، وبيت شكري، وأسرة الصفرجي. ومن الأشعار التي قيلت في الترحيل (والأبيات المذكورة كما وردت في رصد الباحث أحمد مرشد) قال أعرابي: يا الله أسألك القبول ****فخري يسفر في الضعوف لأهل المدينة العالية****خلَّى المنازل خالية وهنا قصيدة شكري البغدادي يصف فيها حال المدينة وأعمال فخري باشا الناس أخرجها والـدور هدمهـا****والخلق غادرهـا تشكـو لباريهـا قد جوع الجند من بخل ومن حمق****ويظهر الفقـر والأرزاق يخفيهـا ميكائيل: خلال المجاعة كنا نجري خلف الخيول الخاصة بفخري ثم نجمع روثها ونجففه لنلتقط منه الشعير صيرفي: والدي كان يشتري قرص العيش الصغير بجنيه ذهب وكل مكيال صغير من الحنطة بجنيه وقليل من الزيت بجنيه التمـر صـادره والمـال جمعـه والناس قاست جوعا كفا لايعطيها كم عالم مات جوعا بعد أن حملت أكتافه من صخـور جـل باريهـا كم حرة نقلـت صخـرا مبرقعـة بقرص خبز من الآفـات يعطيها أفعاله السود قد أضحت بـلا عـدد فليس أوراق هذا العصر تحصيهـا يا عابد الله إن الرب وفقكـم إلى أمور عظام كـنـت أبغيها لا يعرف الظلـم إلا مـن يكابـده ولا المجاعـة إلا مـن يعانيـهـا وفي قصيدة للشيخ محمد العمري المدرس بالمسجد النبوي يصف حال المدينة خلال الترحيل: دار الهدى خف منك الأهل والوطن واستفرغت جهدها في ربعك المحن عفا المصلى إلى سلع إلـى جشـم والحرتان ومرأى أرضهـا الحسـن أقوى العقيق إلى الجمّا إلى أحـد إلى قباء التي يحيـا بهـا الشجـن منازل شب فيها الدين واكتملـت آياته فاستعـارت نورهـا المـدن لأي أرض يشـد الرحـل كاتبـه يبغى المثوبـة أو يشتاقـه عطـن أبعـد روضتهـا الغنـا وقبتهـا الخضراء يحلو بعيني مسلـم وطـن ويصف السيد أمين مدني المدينة وقد خلت من أهلها فيقول في مذكراته الخاصة : (خلت محلات المدينة وميادينها وأسواقها وأزقتها وأحواشها, وكل دار من دورها من سكانها فتبدل الضجيج بصمت رهيب , فكأن الدور وقد صف بعضها بجانب بعض , ككثبان الربع الخالي لا أنيس بها ولا مسافر, أو كأنها قمم جبل سلع, وأمست في ليلها كأنها مدينة الأشباح التي تبدو في ظلال الليل الحائر كتلا من الظلام على هيئة الجن والأبالسة التي تتحدث عنها العجائز تقفز من سطح إلى سطح , فيفزع إلى حضن أمه مرعوبا يسأل عن الأشباح وعن الصمت والظلام.. ويضيف السيد أمين : وبقينا في البيت إلى أن خلت المدينة أو كادت من سكانها, وعند ذلك دعانا العمان السيد عبد الجليل والسيد عبد العزيز إلى الانتقال إلى دارهما في الشونة - البيت الكبير- وبقينا هناك, وكنا جميعا نطلع إلى بستان المغنية نقضي الصيف هناك, إلى أن دخل الأشراف المدينة, وجلا عنها الجيش العثماني, عدنا إلى دارنا التي في السوق, ولاقينا متاعب مالية عنيفة استمرت حتى بعد عودة الوصي علينا من دمشق وهو كما سبق السيد زين العابدين وأعتقد أن في الإشارة إلى عنف ما كنا نقاسيه من متاعب غنى عن تفصيلها ولا سيما في هذا المكان, وبالرغم من كل ذلك كانت الوالدة حريصة على الاحتفاظ بمظاهرنا الخارجية, وإحاطتها بضروب من الوجاهة وحسن البروز على نقيض الواقع الذي كنا نحياه. كان بيتنا مفتوحا للزوار ومجالسنا حافلة بكل ما تطلبه مجالس الأثرياء الموسرين, ولا نتأخر عن المآدب (العزائم) عند كل مناسبة ندعى إليها ولذلك ظن الكثيرون أننا نغترف من معين لا ينضب.." وفي فصول من تاريخ المدينة يذكر السيد علي حافظ أن أحد سكان المدينة باع بيته بكيس أرز , وأما العائلات التي هاجرت رغما عنها فقد أصيبت بالجوع والمرض والبرد وعانوا أشد المعاناة في الذهاب أو حين العودة إلى المدينة المنورة . روايات عن قصص المجاعة ويتابع الباحث "من قصص المجاعة التي سجلتها والمروية عن بعض المعاصرين للأحداث وعن آبائهم وقبل أن نتحدث عن قصص المجاعة التي عانى منها البعض نذكر بعض الروايات التي رواها البعض سواء ممن عايشوا تلك الفترة أو ممن سمعوها من غيرهم. تقول إحدى الروايات:عندما اشتد الحصار ونفدت المؤن حُبس الكثيرون في بيوتهم خوفا من تعرضهم للتهجير خاصة الأطفال والنساء وكبار السن .. فمما رُوي أن أحدهم وهو من سكان زقاق جعفر ولشدة ما تعرض له والداه من الجوع حاول الحصول على طعام يسد به جوع والديه ولكنه فشل .. ولم يجد أمامه بعد تفكير سوى التحرك ليلا ليدخل إحدى فتحات الدبول أو ما تسمى بالخرزة وهي عبارة عن أماكن أو نقاط تمر من خلالها المياه لتغذية عيون حارات المدينة .. تقول الرواية دخل أحدهم من باب الشامي ومشى داخل الدبل رابطا حول بطنه حبلاً حتى خرج من جهة العوالي ليقطف بعض التمرات ويضعها داخل ثوبه من أعلى ويعود مرة ثانية بقوة إرادة رغم وجود العقارب والثعابين ليصل إلى بيته ويطعم والدية بحبات التمر حتى أنه من قلة التمر كان البعض بعد أكل التمرة يجعلون النواة في أفواههم (لعدم نشفان الريق). ومن البعض من كان يقوم من شدة الجوع بغلي خف الجمل وشرب مائه . حتى أن بعض الروايات تقول إنه خلال المجاعة لم تشاهد الحيوانات داخل المدينة. العم ميكائيل رحمه الله في تسجيله حول المجاعة يقول: خلال المجاعة كنا نخرج ونحن أطفال للبحث عن الطعام ونجري خلف الخيول الخاصة بفخري وكبار أهل المدينة ثم نجمع روث هذه الخيول ونقوم بتنشيفها لنلتقط منها حبات الشعير ونجمعه ثم نغسله ونجففه.. ويقول في إحدى قصصه رحمه الله: أرجو من الله السماح فقد كنا نمسك القطط بأكياس الخيش ونذهب بها إلى أحد الأتراك فوق المدرج بباب العنبرية ليذبحها لنا ولكن شرطه أن يأخذ جزءاً منها..وأقول فليسامحني الله كنا نأخذ أكباد القطط ونبيعها على أنها كبد غنم. ومن شدة الجوع يذكر أنه في أحد الأيام قام شجار مع أحد أصحابه ( تصوروا على أي شيء) كان الجري ليتحصل أحدهما على تمرة في الأرض وبعد وصولهما وجدا أنها إحدى بقايا روث جمل فحجمها ربما يشبه حبة تمر. طبعا الحصار بدأ في عام 1334هـ واستمر حتى استسلام فخري في 19 رجب 1337هـ خلال هذه السنوات ولمن بقي في المدينة وعددهم لا يتجاوز في بعض الروايات التي سجلتها 100 شخص.. ومنهم من ذكر أن عدد من بقي 40 رجلا وامرأة.. ولكن خلال تحقيقي حول من بقي في المدينة بعد الترحيل وجدت أنه 145 رجلا فقط وعدة نساء. وممن روى عن والده الشيخ حسن مصطفى صيرفي حيث يقول: لم يبق في المدينة سوى 140 رجلا وبعض النساء وسمى بعضا منهن .. حيث كان مولد الشيخ حسن عام 1336هـ.. يقول العم حسن خلال الحصار مر على والدي ووالدتي شهر رمضان وكان عمري سنتين أو ثلاثاً ويحكي والدي رحمه الله كانوا يتسحرون في بعض ليالي شهر رمضان بالماء فقط لأنهم لا يستطيعون إشعال النار خوفا من تهديد فخري الذي أصدر أمرا خلال الحصار لأمين باشا فوق جبل سلع بمعاقبة كل من يشعل النار ليلا ... ثم جاءت فترة قام والدي وقبل الغروب ولنفاد الفحم قام بتكسير دواليب الملابس وإشعالها قبل الغروب ليتمكن من الطبخ عليها ليلا من بعض اللحم المخزن والذي يعرف بالقديد. ويضيف والدي الذي كان يعمل صرافا لديه من الجنيهات الذهبية الشيء الكثير ولكن .. أين الأكل ومن أين يشتري ..ليسد به جوع أهل بيته ...فكان له معرفة ببعض جنود القلعة الذين يحتفظون بكميات كبيرة من الأغذية...فكان يشتري قرص العيش الصغير وهو بحجم كف اليد بجنيه ذهب ..وكل مكيال صغير من الحنطة بجنيه وقليل من الزيت بجنيه ... ويضيف أن والده أخبره أن الكثيرين من الذين بقوا داخل المدينة مات بعضهم من الجوع والعطش داخل منازلهم حيث حاصر فخري جميع مصادر المياه مثل عين الساحة وعين أبي بكر وعين باب السلام وجعلها مخصصة لجنده وعساكره.. أما الشيخ أحمد ثروت رحمه الله فيقول في تسجيله: أمسكوني بالمناخة وعمري ست سنوات فقد أرسلتني والدتي لإحضار بعض الحبوب ولم تفكر أن طفلا في عمري يمكن ترحيله حملني أحد الجنود فجأة ورغم بكائي سلمني إلى جندي آخر على باب القطار ومضى بي القطار عدة أيام وأنا نائم تحت إحدى كراسيه وعندما وصل إلى دمشق أنزلوا جميع الركاب بحجة أن بهم وباء. ومن لطف الله لم يتنبه إلي أحد وعند وصول القطار إلى إستانبول خرجت من تحت الكرسي ونزلت إلى المحطة ونمت فوق أحد الكراسي الخاصة بالمحطة ومن حسن الصدف أن أخوالي من تركيا وجاءني رجل أظنه عطف علي وسألني من أين أنت؟ فقلت له اسمي واسم أخوالي فعرفهم وأخذني إليهم ومكثت عندهم سنوات حتى تمت عودتي إلى المدينة مع نهاية عهد الأشراف وبداية الحكم السعودي. أما الشيخ أسعد حسن شربيني رحمه الله فيقول: رفض والدي الخروج في بداية الترحيل الاختياري وعندما اشتدت الأمور ونفد الغذاء واشتد الحصار خرج والدي ووالدتي وهي حامل بي في عام 1336هـ وكان الخروج ليلا من باب العنبرية والتوجه إلى مدينة ينبع حيث كان خارج السور يقف البعض ممن يمتلكون الدواب مستغلين ذلك الظرف ودفع أبي كل ما يملك من أجل الرحيل وقد عانى والدي ووالدتي كثيراً من المشاق حتى الوصول إلى ينبع ، واستقرا هناك حيث كان مولدي في مدينة ينبع في شهر صفر من عام 1337هـ وعاد أبي وأمي إلى المدينة وعمري ستة أشهر في شعبان 1337هـ.. بعد أن استولى الأشراف على المدينة في 19 رجب 1337هـ.. أما السيد عمران الحسيني رحمه الله فيقول في تسجيله: رحلونا مجموعة بالقوة الجبرية بعد أن امتنعنا في البداية من الخروج من المدينة منهم أخي أسعد والسيد محمود أحمد وعائلته والسيد إدريس هاشم وعائلته وكان ذلك في أوائل عام 1335هـ وصلنا دمشق ولم نعرف أين نسكن كان معنا قليل من المال ...درسنا في مدرسة تسمى المدرسة الجقمقية ولكن بعد تدهور حالنا المالي عرضنا منزلنا في المدينة للبيع على أحد أبناء دمشق وهذا حال الكثير ممن رُحلوا واتفقنا على 750 جنيهاً يدفع لنا نصفها في دمشق والباقي في المدينة عند تسلمه البيت وفعلا دفع لنا 375 جنيها وعشنا بها حتى عدنا إلى المدينة عام 1338هـ في بداية عهد الأشراف. ويضيف أن كثيرا من أهل المدينة باعوا بيوتهم ليضمنوا العيش في الشام ومن آثار هذا انقراض بعض الأسر لوفاتهم بالشام أو خلال الترحيل وأن كثيراً من صكوك البيوت التي بيعت بالشام فقدت خلال التوسعة للمسجد النبوي الشريف. واكتشف بعد ذلك وخلال الهدم أن منها ما هو مدفون داخل الجدار. وهذه قصة لم يرغب راويها بذكر اسمه: يقول اشتدت الحرارة ونفد الماء وما كنا نحتفظ به من بقايا الخبز والأرز وبعض قطع اللحم الناشف (القديد) أنظر إلى والدي وهما يصارعان الموت من شدة الجوع والعطش كنت الابن الوحيد بين بنتين وسني آنذاك لم تتجاوز الخامسة عشرة. ظللت على مدى يومين أفكر بالطريقة التي أجلب فيها الطعام ..وأخيرا اهتديت إلى الخروج ليلا والعودة قبل الفجر ..ولكن كان الخوف يداهمني بين فينة وأخرى .. كان أبي يحتضن إحدى أخواتي ووالدتي تحتضن الأخرى فكان هذا المنظر يدفعني بكل جرأة للخروج وجلب الطعام .. سميت بالله وتحزمت بحبل حول بطني وخرجت كاللص أتحسس الطريق في ظلمة الليل وبنور الله وفي بعض الأحيان يضيء لي نور القمر الطريق .. لم يكن أمامي للخروج من أحد أبواب المدينة سوى أن أسلك طريق الدبول تحت الأرض .. من عين أبي بكر دخلت لأسير داخل هذه الدبول باتجاه الجنوب لوجود معظم بساتين المدينة والنخيل المحمل بالثمر .. تمشي خطواتي فوق مياه ضحلة ونسيت وقتها وجود أو مصادفة أي حشرة سواء ثعبان أو عقرب كان تفكيري منصباً على كيفية الوصول لنقطة الخروج خارج الأسوار وبعد ساعتين أطل نور القمر من إحدى فتحات أحد الدبول فقررت الخروج لأجد نفسي أمام بساتين قباء .. وعلى ضوء القمر تسلقت أحد أشجار النخيل أجمع حبات التمر حتى شعرت بثقل الموجود وعدت أدراجي إلى الفتحة التي خرجت منها باتجاه الشمال ووصلت إلى المكان الذي دخلت منه قبل طلوع الفجر وحمدت الله بعد وصولي إلى المنزل لأجد أختيَّ كل واحدة في جهة ووالدي عاصب رأسه ووالدتي تسبح الله وحينما شاهداني كشبح مقبل أدركت عدم معرفتهما بي ولكنني طمأنتهما بقولي أنا فلان وضعت جميع ما حملت من التمر والبلح أمامهما ولم أسمع سوى (صوت دخول الأسنان في حبات البلح) كنت أتحسس من بين ما جمعت الحبات اللينة لإطعام الصغيرتين ..وبدأ نور الصبح ينبثق ويصل إلينا من خلال الروشان ومع طلوع الشمس كانت لدينا كمية طيبة من البلح والتمر تكاد تكفينا فترة من الزمن . وكان لوالدي طريقة في أكله حيث إنه بعد أكل القشر الخارجي تظل النواة في فمه فترة طويلة وهذا ما جعل ما بقي من الثمر يكفينا لفترة أطول خصوصا أن بئر الماء بداخل البيت وهذا بطبيعة الحال طمأن أنفسنا أكثر".