سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
بسم الله الرحيم الرحمن, الواحد الديان, الذي جعل من الماء بشرا, فخلقه نسبا وصهرا, وكان بعباده لطيفا خبيرا, سبحانه ذو الجلال والإكرام, كل ما سواه يسهو وهو لا يسهو ولا يغفو ولا ينام, سبحانه..
وأصلي وأسلم على خليلي وحبيبي محمد.. صلاة أرجو به الشفاعة يوم الدين, والرضى والرحمة من رب العالمين, فصلاة الله عليك يا خير من وطء الثرى ووحمل الحصى, وعلى آلك وصحبك الكرام النجباء, وعلى من اتبع هداك إلى يوم الفصل والقضاء.. وبعد..
إخوتي الأحبة..
لنا في كل ساعة عبر..
وفي كل لحظة ذكرى..
وفي كل يوم ميت وفقيد..
وفي كل ليلة رثاء وعزاء..
وفي كل آن وحين آيات وبينات من رب الأرض والسماوات..
هاهي قوافل الفقداء تمضي إلى القبور كل يوم..
وكل ليلة نجد للقبور وفدا جديدا زائرا..
نوسد التراب الخلان والأصحاب..
فلا الأموات يوقظوننا من غفلتنا..
ولا ضيق اللحود يجعلنا نصحو من رقدتنا..
ولكن ما عسانا أن نقول بعد أن طبع الله على قلوب كثير منا فلم نعد نتذكر ونتفكر..
حتى الموت!! لم يعد مروره علينا إلا عابرا بعد أن خير واعظ..
ولكن الله هو المستعان على ما تصف نفوسنا الظالمة..
***
صليت العصر..
ثم جلست في مجلسي ذاكرا لله شاكرا..
وبعد ذلك استلمت مصحفي وتوجهت إلى ذلك الركن من المسجد..
إلى تلك الجنة الغناء.. إلى تلك الزاوية الذاكرة..
إلى ذلك الجمع من الصحب والملائكة..
نعم.. لقد توجهت إلى "حلقة التحفيظ"..
دخلت الحلقة.. سلمت على الإخوة اللذين لم يجمعهم معي رحم.. إلا رحم الموآخاة في الله تعالى..
تكفحلنا وتآنسنا وسألنا عن الأحوال ريثا من الوقت..
بعد ذلك بدأ كل منا بالتسميع والتلاوة كالعادة..
دخل علينا "أبو أسامة" ((أستاذنا طبعا))..
كان كعادته في الابتسامة ونشر السرور على الأفئدة..
واستمر الأمر على ما هو عليه..
إلى أن وصلت رسالة إلى أحد الشباب, قرأها فتجهم وجهه وتغير, فأعطى الجوال إلى أبي أسامة الذي ما إن اطلعت عيناه إلى الشاشة حتى انقلب وجهه فزعا..
أصبح الشباب يترقبونه وينظرون إليه عله يريح نفوسهم المترقبة وأنفاسهم اللاهثة بما اطلع عليه..
ولكن ما كان منه إلا أن أخذ نفسا عميقا وأعاد الجوال إلى صاحبه وأوعز إليه أن يكمل تسميعه ولا ينطق بحرف..
أكملنا تسميعنا ونسينا ما كان, وبعد أن بدأ الشباب في الفراغ من التسميع بدأ بتجميع أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا إليه, ثم قال:
"تعلمون يا شباب أن الدنيا دار ابتلاء, والمصائب فيها تتوالى, وما هي إلا دار اختبار ليبلونا الله أنصبر على المصائب ونشكر النعم أم لا؟!"
بدا كل منا وكأنه ينتظر تلك الكلمة المعهودة بعد هذه المقدمة:
((توفي....))
وفعلا..
لقد أكمل أبو أسامة كلامه و..
فعلا.. كان قد "توفي"..
***
فلو رأيتم حالنا بعد ذلك أيها الأحبة..
والله لتقولن أيها الرائي لجمعنا أيها الرهبان!!
هنا ترى من قد طأطأ الرأس مفكرا..
وهناك ترى ذاك الذي وضع الجبين على الخد متألما..
وعلى الجانب الآخر تبصر من استلم ذقنه تغالبه العبرات..
وغير بعيد عنه تبصر ذاك الذي تلهى عن همه بشخمطة أصبعه في فراش المسجد..
وكأن القوم على رؤسهم الطير..
فليس الفقيد كأي فقيد..
وليست المصيبة كمثيلاتها من المصائب..
***
أتعلمون أحبتي من الذي توفي؟!
أتعلمون من هو الفقيد؟!
أتعلمون ما الثغرة التي أصابت الأمة اليوم؟!
أتعلمون ما العلم الذي رفع هذا الصباح؟!
إخواني..
لقد فقدت الأمة عالما جليلا..
ومعلما فاضلا..
وشيخا كبيرا في الفضل والقدر..
لقد ابتلينا جميعا في فقد الشيخ الدكتور العلامة:
"بكر أبو زيد"..
رحمه الله تعالى..
***
حسبي الله ونعم الوكيل..
إنا لله وإنا إليه راجعون..
أحسن الله عزاءنا وعزاءكم أيها الأحبة..
والله إنها لمصيبة وأي المصيبة؟!
ولكن الصبر خير زاد!!
***
أبلغنا النبي صلى الله عليه وسلم قبل 14 قرنا من الزمان أن من علامات الساعة فقد العلماء..
وهاقد أصبحنا ولا يمر علينا يوم إلا ونصبر بعضنا على فقدهم..
لا يرفع العلم عنا والله من صدورنا..
ولكن يموت العلماء فيرفع..
فأعدوا العدة يا طلاب العلم لئلا يموت العلم..
شمروا الثياب عن سواعد الجد..
وأعدوا للأمة علماء أفذاذا لا يشق لهم غبار..
اصنعوا ألف بكر أبو زيد..
وألف محمد بن عثيمين..
وألف محمد ناصر الدين..
وألف عبد العزيز بن باز..
واعلمو أن الله يؤيد مسعاكم ويسهل لكم الطريق إلى الجنة بإذنه سبحانه..
((فضل العالم على العابد كفضل الشمس على سائر الكواكب))..
***
طوبى لكم يا أهل الرياض..
والله لقد وددت لو أني في جوف مسائكم هذا الآن..
لأحضر تلك الجنازة..
وألحق بذلك الفضل..
وأدرك ذلك الجمع..
ولكن الخير فيما اختاره الله..
***
ستفتقدك أيا بكر هيئة كبار العلماء عضوا..
ومجمع الفقه الإسلامي رئيسا..
بل وستفتقدك الأمة كلها عالما فاضلا.. وشيخا وقورا..
سترثيك المنابر..
وتبكيك المحاريب..
وتدمع لأجلك الأقلام..
وتبكي لفقدك الكتب..
ولكن كتب الله لك الأجر يا أيها العلامة..
***
رحم الله فقيدنا..
وتغمده بواسع عطاءه وفضله سبحانه..
ويسر للأمة علماء يخلفونه في علمه وفضله..
هذا..
وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد..
***
"الكوكب الدري"..
الثلاثاء 27/1/1428 هــ (7:30 مساءً)..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..