الفتى الأنصاري
قال الراوي : كنت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم جالسا عند بعض أهل السوق فمربي شيخ حسن الوجه ، حسن الثياب ، فقام إليه البائع فسلم عليه ، وقال له :
يا أبا محمدأسأل الله أن يعظم أجرك ، وأن يربط على قلبك بالصبر.
فقال الشيخ مجيبا له :
وكان يميني في الوغى ومساعدي
فأصبحت قد خانت يميني ذراعهـا
وأصبحت حرانا من الثكل حائـرا
أخا كلف شاقت علـي رباعهـا
فقال له البائع : يا أبا محمد! أبشر، فإن الصبر معول المؤمن ، وإني لأرجو أن لا يحرمك الله الأجر على مصيبتك .
فقلت للبائع : من هذا الشيخ ؟
فقال : رجل منا من الأنصار.
فقلت : وما قصته ؟
قال : أصيب بابنه ، كان به بارا، قد كفاه جميع ما يعنيه ، وميتته أعجب ميتة .
فقلت : وماكان سبب ميتته ؟
قال : أحبته امرأة من الأنصار، فأرسلت إليه تشكو إليه حبها، وتسأله الزيارة، وتدعوه إلى الفاحشة، وكانت ذات بعل ، فأرسل إليها :
إن الحرام سبيل لست أسلكـه
ولا آمر به ما عشت في الناس
فابغي العتاب فاني غير متبـع
ما تشتهين فكوني منه في ياس
إني سأحفظ فيكم من يصونكـم
فلا تكوني أخا جهل ووسـواس
فلما قرأت المرأة الكتاب ، كتبت إليه :
دع عنك هذا الذي أصبحت تذكره
وصر إلى حاجتي يا أيها القاسي
دع التنسك إني غيـر ناسكـة
وليس يدخل ما أبديت في راسي
قال : فأفشى ذلك إلى صديق له .
فقال له : لو بعثت إليها بعض أهلك ، فوعظتها وزجرتها، رجوت أن تكف عنك .
فقال : والله لا فعلت ولا صرت في الدنيا حديثا، وللعار في الدنيا خيرمن النار في الاخرة ، وقال :
العار في مـدة الدنيـا وقلتهـا
يفنى ويبقى الذي في العار يؤذيني
والنار لا تنقضي مادام بي رمـق
ولست ذا ميتـة منهـا فتفنينـي
لكن سأصبر صبر الحر محتسبـا
لعل ربي من الفـردوس يدنينـي
قال : وأمسك عنها.
فأرسلت إليه : إما أن تزورني ، وإما أن أزورك ؟
فأرسل إليها : أربعي أيتها المرأة على نفسك ، ودعي عنك التسرع إلى هذا الأمر. فلما يئست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر، فجعلت لها الرغائب في تهييجه ، فعملت لها فيه .
فبينما هو ذات ليلة جالسا مع أبيه ، إذ خطر ذكرها بقلبه ، وهاج منه أمر لم يكن يعرفه ، واختلط ، فقام من بين يدي أبيه مسرعا، وصلى واستعاذ، وجعل يبكي ،
والأمر يزيد به.
فقال له أبوه : يا بني ما قصتك ؟
قال : يا أبت أدركني بقيد، فما أرانى إلا قد غلبت على عقلي ، فجعل أبوه يبكي .
ويقول : يا بني حدثني بالقصة .
فحدثه قصته .
فقام إليه ابوه فقيده وأدخله حجره فجعل يتضرب ويخور كما يخور الثور، ثم هدأ ساعة فإذا هو قد مات ، والدم يسيل من منخريه
المصدر : صفوه الصفوه - ابن الجوزى